الإمبراطورية البيزنطية:
تعرف الإمبراطورية البيزنطية أيضا باسم الإمبراطورية الرومانية الشرقية، لأنها في الواقع كانت استمرارا للإمبراطورية الرومانية في جزءها الشرقي. في أكبر اتساع لها خلال القرن السادس الميلادي، شملت البيزنطية أجزاء من جنوب وشرق أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أطلق الشعب البيزنطي على أنفسهم اسم الرومان على الرغم من كونهم نسل شعوب قديمة متعددة
وكانوا يتكلمون اليونانية. في الواقع، تأتي كلمة البيزنطيين من "بيزنطة"، وهو الاسم اليوناني لمدينة واقعة على مضيق البوسفور. كان الإغريق أول من قام استعمار المنطقة في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، حتى قبل أن يقوم الإسكندر الأكبر بإحضار قواته إلى الأناضول (334 قبل الميلاد). استمر تأثير الثقافة اليونانية لفترة طويلة بعد أن أصبحت المنطقة جزءا من الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني قبل الميلاد. لكن الإمبراطورية البيزنطية بدأت فعلا عندما قام الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر بنقل عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة وأسماها القسطنطينية (اسطنبول اليوم) في عام 330 ميلادي. استمرت لما يزيد عن 1000 سنة، لتنتهي أخيرا في عام 1453 عندما غزا الأتراك العثمانيون القسطنطينية وأطلقوا عليها تسمية اسطنبول.

كان للديانة المسيحية الأثر القوي على الفن والموسيقى والهندسة المعمارية البيزنطية. لما كانت القسطنطينية كانت المركز السياسي للإمبراطورية، كانت أيضا المركز التربوي، حيث تعلم المسؤولون الحكوميون المستقبليون القراءة والكتابة باللغة اليونانية القديمة. وبالتالي، أنتجت هذه الفترة أعمالا رائعا عبر التاريخ بالإضافة إلى الشعر الجميل والكثير من النثر الديني. كما ازدهرت جميع الفنون البصرية. عمل معظم الفنانين بخدمة البلاط أو انتموا لطبقة دينية وبقوا مجهولي الهوية. تشهد المنحوتات العاجية والصلبان البيزنطية و"المنمنمات" على براعتهم. تقريبا كل ما بقي من فن العمارة البيزنطية هو كنائسها مع جدارياتها وفسيفسائها البهية. إذا أخذنا آيا صوفيا على سبيل المثال، فقد وصل معماريوها وحرفيوها إلى مستو عالي رفيع من الروعة بالفعل.

على مدار 1100 سنة، تمكن البيزنطيين من السيطرة والمحافظة على إمبراطوريتهم، على الرغم من ضعفهم في بعض الأحيان؛ تمت موازنة توسع وازدهار الإمبراطورية بالانقسامات الدينية الداخلية (مثل أعمال شغب نيكا) والحروب المتكررة مع الأعداء الخارجيين. أخيرا، بعد أضعفتها الموجات المتكررة من الهجوم، تغلب العثمانيون على البيزنطيين المنهكين وبدأ عصر جديد من القيادة. ومع ذلك، تركت الإمبراطورية البيزنطية بصمة في الثقافة لا يمكن أن تمحى حتى بعد الفتح.


قسطنطين العظيم:
في عام 324 م، بعد معركة طويلة ودامية، هزم الإمبراطور الروماني قسطنطين العظيم آخر منافسيه يسينيوس وذلك في التلال القريبة من بيزنطة (اسطنبول). كونه فاتح نبيل الأصل، عدل قسطنطين عن إنهاء حياة يسينيوس الغادر. كان لهذا الانتصار تداعيات كان من شأنها التأثير بشكل كبير على تنمية المدينة. أولا، اعتمد قسطنطين المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية. ثانيا، اتخذ بيزنطة عاصمته المسيحية الجديدة. رغم وجود سجال علمي حول الصورة الفعلية لحكم قسطنطين "المسيحي"، يعتقد بعض العلماء أنه استمر بالالتفات إلى الآلهة الأسطورية والطقوس الوثنية. كان هذا تحولا كبير لكون روما، العاصمة السابقة للإمبراطورية الرومانية، مركز العبادة لوثنية.

تم تخصيص المدينة رسميا باسم "روما الجديدة" في عام 330 م، سرعان ما أصبحت القسطنطينية المسيحية بشكل غير رسمي. صدم الإمبراطور بلاطه بوضعه حدودا أكبر بكثير مما كان متوقعا حول ما كان يعرف بمقاطعة البيزنطية، بحيث أنه سرعان ما تضاعف حجمها أربع مرات. وردا على سؤاله لما فعل ذلك، أجاب أنه كان يتبع دليلا ملائكيا افتراضي غير مرئي.

مع طاقته النموذجية، لم يقم قسطنطين بتوسيع رقعة المدينة وحسيب، بل أيضا عزز قوة المدينة وزاد من جمالها. على مدى السنوات العشر التالية، كان يتطلع قدما نحو تحقيق الرفاهية الأخلاقية والسياسية والاقتصادية لمواطني إمبراطوريته وتعيين أبناءه حكّام المستقبل. مرض فجأة قبيل سيره لمواجهة الجيش الفارسي في شهر أيار 337، وتوفي بعد أن تعمد بفترة قصيرة.

استحق قسطنطين دون شك لقب "العظيم" بعد اسمه، فقد وضع تاريخ العالم في سياق جديد، بجعله من المسيحية - التي كانت لا تزال تعاني من الاضطهاد الدموي إلى ذلك الحين - دينا للدولة. كانت تلك الخطوة حتمية بالكاد إذ كان المسيحيون لا يزالون أقلية أنذلك. وبالتالي، كان اعتماد قرار قسطنطين على الظروف العامة في ذلك الزمان أقل من اعتماده على اعتباراته الشخصية. في عام 325 جمع وحضر مجمع نيقية حيث تمت صياغة دستور الإيمان النيقاوي الذي لا يزال أحد ركائز الديانة المسيحية. لم يكن قسطنطين أول إمبراطور مسيحي وحسب، بل كان أعظم الأباطرة الرومان على الإطلاق.

استمرت مدينته العظيمة وإمبراطوريته حتى 1453 عندما فتحها السلطان العثماني محمد الثاني.