حرب الاستقلال التركية:
خلال صيف وخريف عام 1919 وبتفويض من المجلس الأعلى للحلفاء، قامت اليونان باحتلال أدريانوپل (أدرنة) وبورصة وسميرنا (إزمير) حيث حصل إنزال تحت غطاء من أسطول الحلفاء بما في ذلك السفن الحربية الأمريكية. لم توجد أي مقاومة تركية تذكر، وسرعان ما تحرك اليونانيون إلى أوساك متوغلين على عمق 175 كم داخل أزمير.

لم يكن العمل العسكري بين الأتراك واليونانيين في الأناضول في عام 1920 حاسما، لكن تم تعزيز القضية القومية في العام التالي وتم ذلك من خلال سلسلة من الانتصارات الرائعة. هزم عصمت باشا الجيش اليوناني مرتين (في كانون الثاني ومجددا في نيسان) في إينونو، معرقلا بذلك تقدمه نحو المناطق الداخلية من الأناضول. في تموز، وفي مواجهة هجوم ثالث، تراجعت القوات التركية على نحو مُنظّم إلى ساكاريا نيهرا على بعد ثمانين كم من أنقرة حيث تولى أتاتورك القيادة شخصيا وهزم اليونانيين في معركة دامت عشرين يوما.

ترافق النجاح العسكري بتحسن في الوضع الدبلوماسي لتركيا. انسحبت كل من فرنسا وإيطاليا من الأناضول بحلول أكتوبر تشرين الأول عام 1921 وذلك بسبب إعجابهما بحيوية القوة الوطنية. تم التوقيع على معاهدات مع الاتحاد السوفيتي في ذلك العام، وهو أول قوة أوروبية تعترف بالقوميين، وذلك لإقامة حدود بين البلدين. اندلعت في عام 1919 الحرب بين القوميين الأتراك وجمهورية أرمينيا المُعلنة حديثا. تم إلحاق الهزيمة بالمقاومة الأرمينية بحلول صيف عام 1921 واحتل الأتراك منطقة كارس. في عام 1922 اعترف القوميين باستيلاء الاتحاد السوفيتي على ما تبقى من الدولة الأرمينية وعادت الأقلية الأرمينية المتواجدة في تركيا إلى أرمينيا.

بدأت الحملة النهائية ضد اليونانيين في آب 1922 مع معركة دعيت باسم معركة القائد العام. انتقل الأتراك إلى أزمير في شهر أيلول، حيث قُتل الآلاف أثناء القتال والاستيلاء على المدينة. تم إخلاء الجنود اليونانيين المتجمهرين في أزمير على متن سفن الحلفاء، لكنهم للأسف أحرقوا المدينة قبل الانسحاب لكي لا يتركوا أي شيء خلفهم للأتراك؛ كان ذلك الحدث الأكثر مأساوية في الحرب.

عندئذ ركز جيش القوميين على إخراج ما تبقى من القوى اليونانية خارج تراقيا الشرقية، لكن الحملة الجديدة هددت بوضع الأتراك في مواجهة مباشرة مع وحدات الحلفاء التي تدافع عن مدخل المضايق (البوسفور والدردنيل)، وفي القسطنطينية (اسطنبول الحديثة) حيث كانت تحمي الحكومة العثمانية. انسحبت القوات الفرنسية من مواقعها على المضايق، لكن بدت القوات البريطانية مستعدة للتمسك بموقعها في مواجهة تقدم القوميين الأتراك. وقد أمكن تجنب الأزمة عندما قبل أتاتورك الهدنة التي اقترحها البريطانيون والتي وضعت حدا للقتال في المنطقة بين الأتراك واليونانيين، كما أشارت إلى عدم استعداد الحلفاء للتدخل إلى جانب اليونان. عملا باتفاق هدنة مودنا (بالقرب من بورصة) المُبرم في تشرين الأول، انسحبت القوات اليونانية إلى ما بعد نهر ماريتسا، سامحة بذلك للأتراك باحتلال الأراضي وصولا إلى ذلك الخط. قَبلت الهدنة باستمرار وجود الحلفاء على المضايق وفي اسطنبول إلى أن يتم التوصل إلى تسوية شاملة.

في نهاية شهر تشرين الأول عام 1922، دعا الحلفاء كل من حكومتي أنقرة واسطنبول إلى مؤتمر في لوزان، لكن أتاتورك كان مصمما على أن تكون الحكومة القومية المتحدث الوحيد باسم تركية. مما دفع بالحلفاء إلى إصدار قرار من الجمعية الوطنية الكبرى في تشرين الثاني عام 1922 والذي فصل بين منصبي السلطان والخليفة وألغى الأول. كما أعلنت الجمعية أن حكومة اسطنبول لم تعد حكومة تركية عندما استولى الحلفاء على العاصمة. في جوهر الأمر، قام البرلمان بإلغاء الإمبراطورية العثمانية. نُفي محمد الفاتح السادس إلى مالطا، وتمت تسمية ابن عمه عبد المجيد خليفة.

كانت تركيا القوة المهزومة الوحيدة في الحرب العالمية الأولى التي تتفاوض مع الحلفاء كندِ لهم، وتؤثر على أحكام معاهدة السلام. كان عصمت باشا كبير المفاوضين الأتراك في مؤتمر لوزان الذي افتتح أعماله في تشرين الثاني عام 1922. كان الميثاق الوطني لعام 1919 أساسا للموقف التفاوضي التركي، وجرى الاعتراف بأحكامه في المعاهدة التي أبرمتها تركيا في تموز 1923 مع قوات الحلفاء. شاركت الولايات المتحدة في المؤتمر، لكنها لم توقع على الاتفاقية لعدم خوضها أي حرب مع تركيا.

اعترفت معاهدة لوزان بالأراضي الحالة لتركيا مع وجود استثناءين: منطقة الموصل ومحافظة هاتاي التي شملت ميناء إسكندرون. تم حسم موضوع الحدود مع العراق من خلال مبادرة عصبة الأمم في عام 1926، بصفتها القوة المنتدبة من عصبة الأمم على سورية، قامت فرنسا بالتنازل عن إسكندرون إلى تركيا في عام 1939. خضع استخدام المضايق إلى الأحكام التفصيلية للمعاهدة. مُنحت هيئة المضايق قوة إشرافية ضمن إطار عصبة الأمم، وكان سيتم نزع السلاح من المضايق بعد اكتمال انسحاب الحلفاء. كانت تركيا سترأس الهيئة التي تضمنت الاتحاد السوفييتي بين أعضائها.

أُلغيت الامتيازات والإدارة الأجنبية للدين العام العثماني التي تنتهك السيادة التركية. ومع ذلك تعهدت تركية بنسبة 40% من الدين العثماني ليتم تقسيم الباقي على سائر الأراضي العثمانية السابقة. طُلب من تركية المحافظة على تعريفات منخفضة على الواردات من القوة الموقعة حتى عام 1929. أكدت اتفاقية لوزان على المساواة بين المواطنين الأتراك من المسلمين وغير المسلمين. اتفقت تركيا واليونان على عملية تبادل إجبارية للأقليات اليونانية والتركية الخاصة بكل منهما، باستثناء بعض اليونانيين في اسطنبول والأتراك في تراقيا الغربية.

في 29 تشرين الثاني 1923، قامت الجمعية الوطنية الكبرى بإعلان الجمهورية التركية. تمت تسمية أتاتورك رئيسا لها وأنقرة عاصمتها. وتمت ولادة دولة تركية الحديثة.