أصول الإمبراطورية العثمانية:
بعد أن ضُغط عليهم للخروج من بلادهم في سهوب آسيا على يد المغول، اعتنقت القبائل البدوية التركية الإسلام خلال القرنين الثامن والتاسع. بحلول القرن العاشر، أصبح السلاجقة، وهم أحد القبائل التركية، قوة كبيرة في العالم الإسلامي وتحولوا إلى حياة الاستقرار التي شملت العقيدة الإسلامية والإدارة المركزية وفرض الضرائب. بينما بقيت الكثير من المجموعات التركية تعيش حياة البداوة، وتطبيقا لتقليد الغزو كانوا يغزون أراض تابعة للدولة الإسلامية ويحصلون على الغنائم. أدى بهم هذا إلى صراع مع الأتراك السلاجقة، ولكي يقوموا بتهدئة القبائل البدوية قام السلاجقة بإرسالهم إلى المجال الشرقي من الإمبراطورية البيزنطية، الأناضول. نشأت القبيلة المعروفة باسم العثمانيين من إحدى الإمارات الصغيرة التي أُسست في الأناضول شمال غرب البلاد بعد 1071. تمت تسمية السلالة باسم عثمان (1259-1326) الذي بدأ بتوسيع مملكته عبر الإمبراطورية البيزنطية في أسيا الصغرى ناقلا عاصمته إلى بورصة في عام 1326.


الإمبراطورية العثمانية:
هي الكيان السياسي والجغرافي الذي كان يحكمه الأتراك العثمانيين المسلمين. تمركزت إمبراطوريتهم في تركيا الوقت الحاضر، وتوسع نفوذها في منطقة جنوب شرق أوروبا فضلا عن الشرق الأوسط. تمكنت أوروبا من مقاومة تقدمهم بشكل مؤقت وحسب: كانت نقطة التحول في معركة فارنا في 1444 عندما فشل جيش التحالف الأوروبي بإيقاف التقدم التركي. لم يبقى في أيدي البيزنطيين غير القسطنطينية (اسطنبول) وبدا فتحها في عام 1453 أمرا حتميا بعد فارنا. في وقت لاحق، قام الأتراك بإنشاء إمبراطورية في الأناضول وجنوب شرق أوروبا، والتي استمرت حتى مطلع القرن العشرين.

رغم أن الدولة العثمانية في حد ذاتها لا تعتبر مملكة أوروبية، فقد تمتع المد العثماني بأثر عميق على القارة المنهكة من ويلات القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وبالتالي يجب أن يكون الأتراك العثمانيين جزءا من أي دراسة لأوروبا في أواخر العصور الوسطى. أثارت سهولة الانتصارات العسكرية التي حققتها لإمبراطورية خشية الأوروبيين الغربيين من أن يتسبب استمرار النجاح العثماني بهدم البنية التحتية السياسية و والاجتماعية للغرب وإنهاء عهد المسيحية. لم يكن تجاهل مثل هذا التهديد بالغ الأهمية ممكنا، لذا شن الأوروبيون الحروب الصليبية على العثمانيين في 1366 و 1396 و 1444 لكن دون جدوى. استمر العثمانيون بفتح أراض جديدة.

كواحدة من عدد من القبائل التركية التي هاجرت من سهول آسيا الوسطى، كان العثمانيون بالأصل من البدو الرحل الذين يتبعون ديانة شامانية بدائية. أدى الاتصال بمختلف الشعوب المستقرة إلى التعرف على الإسلام والنفوذ الإسلامي، اكتسب الأتراك أعظم تقاليد القتال الخاصة بمحارب غازي. قام محاربو غازي المدربين جيدا والذي يتمتعون بمهارة عالية بالقتال لدحر المشركين واكتساب الأراضي والثروات في هذا السياق.

بينما حارب المحاربون الغازيون من أجل الإسلام، كان الإنكشاريون أعظم مصدر قوة عسكرية تابعة للإمبراطورية العثمانية وهم جيش متميز مدفوع الأجر من المحاربين المسيحيين. قام أورهان غازي بتأسيس الجيش الإنكشاري لأول مرة في 1330، كان الإنكشاريون أسرى مسيحيين من المناطق المفتوحة. تم تلقين الإنكشاريين العقيدة الإسلامية وتم تدريبهم كجنود وإجبارهم على دفع الجزية السنوية على شكل خدمة عسكرية. قام مراد الأول (1319-1389) بتحويل القوة العسكرية الجديدة إلى جيش النخبة الشخصي التابع للسلطان وذلك لمواجهة تحديات نبالة غازي. تمت مكافئتهم على ولائهم بمنح من الأراضي المكتسبة مؤخرا وارتقى الإنكشاريون ليشغلوا أهم المناصب الإدارية في الإمبراطورية العثمانية.

خلال المراحل الأولى من تاريخ الإمبراطورية العثمانية، قامت الفصائل السياسية ضمن بيزنطة بتوظيف الأتراك العثمانيين والإنكشاريين كمرتزقة في صراعاتهم الخاصة من أجل التفوق الإمبراطوري. في 1340، كان طلب المعتدين لمساعدة العثمانيين في الثورة على الإمبراطور مبررا للغزو العثماني لتراقيا على الحدود الشمالية للإمبراطورية البيزنطية. أعطى غزو تراقيا العثمانيين موطئ قدم في أوروبا انطلقت منها الحملات المستقبلية إلى البلقان واليونان وأصبحت أدريانوپل (أدرنة) العاصمة العثمانية في عام 1366. خلال القرن اللاحق، قام العثمانيون بتطوير إمبراطورية أخذت في الأناضول وبشكل متزايد أجزاء أكبر من الأراضي البيزنطية في أوروبا الشرقية وآسيا الصغرى.

كان التوسع العثماني في أوروبا في أواخر القرن الرابع عشر على قدم وساق. تم فتح جاليبولى في عام 1354 وتم سحق جيش صليبي كبير في معركة نيقوبولس في عام 1396. لقد كانت الكارثة كبيرة جدا بحيث أحبطت همة فرسان الغرب لشن حملة صليبية جديدة ضد الأتراك. كان من شأن ظهور التتار تحت إمرة تيمورلنك في أوائل القرن الخامس عشر أن يؤخر التقدم التركي بشكل مؤقت، لكن سرعان ما استأنف العثمانيون هجومهم على بيزنطة وأوروبا الشرقية. هلك الجيش الهنغاري والبولندي في فارنا عام 1444 على يد مراد الثاني،كانت الفتوحات على عهد ابنه محمد الثاني الفاتح مظفرة (1432-1481).

تم احتلال القسطنطينية عام 1453، مرسلة موجة من الذعر في جميع أنحاء أوروبا، وتم تغير اسمها إلى اسطنبول. ومع سقوط بيزنطة، فرت موجة من اللاجئين البيزنطيين إلى الغرب اللاتيني حاملين معهم المعرفة الكلاسيكية والهلنستية التي قدمت قوة إضافية لازدهار الإنسانية في عصر النهضة.

سقطت أثينا في عام 1456، ونجت بلغراد بأعجوبة من الاحتلال عندما قام جيش من الفلاحين يقوده الهنغاري يانوس هونيادي بالتصدي لحصار حدث في نفس العام، ومع ذلك كانت صربيا و البوسنة وولشا وخانات القرم جميعا تحت السيطرة العثمانية بحلول 1478. سيطر الأتراك على البحر الأسود وشمال بحر ايجه وتم إغلاق العديد من الطرق التجارية الرئيسية في وجه النقل البحري الأوروبي. وأصبح التهديد الإسلامي الذي يلوح في الأفق أكبر عندما تأسس رأس الجسر الساحلي العثماني في أوترانتو في إيطاليا عام 1480.

رغم قصر فترة الوجود التركي في ايطاليا، فقد بدا كما لو أن روما نفسها على وشك أن تصبح تحت السيطرة الإسلامية. وفي عام 1529، انتقل العثمانيين حتى نهر الدانوب وحاصروا فيينا. لم يكن الحصار ناجحا وبدأ الأتراك بالتراجع. على الرغم من استمرار العثمانيين بزرع الخوف لفترة طويلة في القرن السادس عشر، تسببت الصراعات الداخلية ببدء تراجع التفوق العسكري الساحق للإمبراطورية العثمانية. لم تعد نتائج المعارك محسومة وبدأ الأوروبيون بإحراز الانتصارات على حساب الأتراك.

استمرت المعاناة من مشاكل التنظيم والحكومة داخل الإمبراطورية العثمانية رغم النجاح العسكري في توسعهم الإقليمي. حاول مراد الثاني الحد من نفوذ النبلاء ومحاربي غازي وذلك من خلال إيصال المؤمنين من العبيد السابقين والإنكشاريين إلى مناصب إدارية. جاء هؤلاء المسؤولون ليلعبوا دورا بديلا عن دور النبلاء، ونتيجة لذلك كان بمقدور مراد الثاني والسلاطين اللاحقين لعب دور فصيل واحد في مواجهة الأخر وتلك كانت الصفة التي تمتاز بها الإمبراطورية العثمانية. كثيرا ما كانت تجاوزت قوة الجيش الإنكشاري قوة سلطان ضعيف، ولعبت القوة العسكرية النخبوية أحيانا دور "صانعي الملوك".

عدم استخدام مبدأ حق الابن البكر في الإسلام كان نقطة ضعف أخرى، وغالبا ما كان يحصل نزاعات حول انتقال السلطة من السلطان المتوفى لابنه. كانت تحدث نزاعات عنيفةحول الخلافة عندما يتوفى السلطان دون وريث ذكر أو إذا ترك وراءه العديد من الأبناء. في الفترة الأولى ولمنع المنافسات الجارية، كان يتم إعدام جميع الأقارب الذكور للسلطان المتوج حديثا. لاحقا، كان يتم سجن المنافسين المحتملين مدى الحياة. يعتبر بعض المؤرخين أن سياسة السجن هذه أسهمت في تراجع الإمبراطورية العثمانية حيث كان يتم إنقاذ السلاطين المختلين عقليا وسياسيا من السجن ووضعهم على العرش. ولكن على الرغم من تلك النزاعات المتكررة حول الخلافة، تمكنت الإمبراطورية العثمانية من صناعة قادة مؤثرين في أواخر العصور الوسطى وتم تطوير سياسية حكومة شاملة.

على الرغم من صعوبات الخلافة والسيطرة الإدارية، تمتع العثمانيون بالعديد من المزايا التي ساهمت في نجاحهم، كانت الثروة الهائلة للإمبراطورية أهم مزاياها. مع توسع الإمبراطورية العثمانية، اكتسبت السيطرة على طرق التجارة إلى الشرق، ودفعت العديد من القوى الأوروبية مثل البندقية وجنوة أموالا كبيرة لقاء حق دخول هذه الطرق.

في الواقع، ورغم الفظائع التي ارتكبها " الأتراك الكفار" وزرعت الرعب في قلوب جميع مسيحيي العصور الوسطى المتأخرة، سمح العثمانيون بشكل عام للجماعات الدينية بمتابعة مارستها عقائدها الخاصة في الأراضي المفتوحة، كما أنهم مالوا إلى المحافظة على المؤسسات الإقطاعية القائمة وسمحوا في كثير من الأحيان بالتعايش المشترك للقوانين التي تنظم مختلف الجماعات العرقية والدينية. كانت أنظمتهم الإدارية والحكومية متطورة جدا وفعالة للغاية، وتمت إدارة جميع الأراضي الموجودة تحت السيطرة العثمانية في ذلك الوقت بشكل جيد.