الدولة والحكومة العثمانية:
ورث العثمانيون مزيج غني من الأعراف السياسية من جماعات عرقية متباينة إلى حد كبير: الأتراك والفرس والمغول وسكان بلاد ما بين النهرين، و الإسلام بطبيعة الحال. استقرت الدولة العثمانية مثلها مثل الدول التركية والمنغولية وبلاد ما بين النهرين على مبدأ التفرد بالمُلك. كثيرا ما تمت إساءة فهم وتفسير طبيعة الاتوقراطية العثمانية في الغرب وبشكل خاص في كتب التاريخ المدرسية العالمية.

كانت الوظيفة المركزية للحاكم أو السلطان في النظرية السياسية العثمانية هي ضمان العدالة (عدالت باللغة التركية) في الأرض. يعتمد كامل السلطة على الالتزام الشخصي للحاكم بالعدالة. كان لهذه الفكرة جوانب تركية وفارسية وإسلامية على حد سواء. في النظرية السياسية الإسلامية، كان النبي سليمان في التاريخ العبري نموذجا للحاكم العادل (تمت تسمية سليمان على اسم سليمان النبي). كانت العدالة التي يمثلها الحكام الذي ينهجون درب النبي سليمان عدالة توزيعية، وهي عدالة إنصاف ومساواة تقترب من مفهوم الغرب عن العدالة. وبالإضافة إلى ذلك، كان للعدالة سمات تركية - فارسية، والتي تُعتبر العدالة أو "عدالت" بموجبها حماية العاجز من جشع الحكومة الفاسدة والمُستغِّلة. في هذا المعنى، تنطوي العدالة على حماية أفراد أدنى السلم الاجتماعي أي الفلاحين من الضرائب الجائرة والقضاء الفاسد والمحاكم غير المنصفة, كان ذلك المهمة الأساسية للسلطان حسب النظرية السياسية العثمانية. قام السلطان شخصيا بحماية شعبه من تجاوزات الحكومة، مثل الضرائب الجائرة وفساد المسؤولين المحليين. بالنسبة إلى العثمانيين، لم يكن بمقدور الحاكم ضمان هذه العدالة إلا إذا تمتع بالسلطة المطلقة. لأن عدم كونه الحاكم المطلق يعنى أن عليه الاعتماد على الآخرين وبالتالي التعرض للفساد. وبالتالي، كانت السلطة المطلقة في خدمة بناء حكومة وقوانين عادلة أكثر وليس لرفع الحاكم فوق القانون كما يذهب الأوروبيون في تفسيرهم للسلطنة.

لضمان عدالت، قام العثمانيون بوضع جملة من قواعد السلوك والمؤسسات في الحكومة المركزية المحيطة بالسلطان. بداية كان تأسيس الدواوينية المُختارة من البطانة الداخلية للملك. سيطرت هذه الدواوينية بدورها على الحكومات المحلية؛ أصبح ذلك نموذجا للحكم المطلق الأوروبي في القرن السابع عشر. كانت المؤسسات والممارسات السياسية الأخرى:

مراقبة الحكومة: كان عمل السلطان بشكل أساسي مراقبة جميع المسؤولين. في بعض الحالات، تضمنت مراقبة الحكومة مشاركة شخصية من السلطان. وكان من الممكن أن يقوم السلطان في بعض الأحيان بمراقبة وقائع الديوان بسرية، الذي كان الفريق الاستشاري المركزي للسلطان، وكان يراقب في بعض الأحيان إجراءات محاكم العلماء. على سبيل المثال، في نفس الوقت الذي كان يتم فيه الحكم على مارتن لوثر بالإعدام أمام مجلس مدينة وورمز، قام السلطان سليمان خلسة بمراقبة محاكمة الملا كبيز الذي أكد على التفوق الروحي ليسوع المسيح على محمد. و حكم على الملا بالموت بعد استجوابه من قبل محكمة العلماء ورفضه التوبة. ومع ذلك تم إلغاء الحكم لعدم قدرة الحجج التي أوردتها المحكمة على دحض حجج الملا (تم التغلب على حجج الملا في محاكمة لاحقة في نهاية المطاف).

كان مطلوب من السلطان القيام بجولة دورية على الحكومات المحلية متنكرا، وذلك ليضمن العدل في عمل قضاة التحقيق والقضاء. كان من الممكن أن يتدخل السلطان ويلغي أي قرار يعتقد أن في اتخاذه ظلم بحق الشعب. يزعم المؤرخون الإسلاميون أن السبب الأساسي وراء سقوط الإمبراطورية العثمانية هو قلة اهتمام آخر سلاطينها أكثر فأكثر بالمحافظة على العدال في إمبراطورياتهم. قام السلطان برصد المسؤولين المحليين على أوسع نطاق وذلك من خلال نظام جاسوسي واسع ومعقد ومُفصَّل يرفع التقارير إلى الدواوينية المركزية. بقي نظام جمع المعلومات الاستخباراتية في الإمبراطورية العثمانية الأفضل على مستوى العالم حتى القرن العشرين!


سياسيت (السلطة السياسة): لم يعني اجتثاث الفساد شيئا إذا لم يتم التصرف بخصوصه. خضع الوكلاء والمسؤولون العامون الذي استغلوا سلطتهم إلى اختصاص قضائي خاص يسمى السلطة السياسة. كانت السلطة السياسة مجموعة من العقوبات الصارمة التي يفرضها السلطان على المسؤولين الفاسدين؛ لم يكن هناك أي مهرب، لم يكن من شأن أي تعويض نقدي افتداء النفس، كثير ما كان يتم فرض عقوبات الإعدام بسرعة وبشدة على المسؤولين الفاسدين. أكثر الجرائم خطورة حسب نظام السلطة السياسة هي: الضرائب غير القانونية أو العمل القسري للفلاحين أو البقاء في منازلهم دون إذن أو إيواء الجنود دون إذن وإجبار الفلاحين تقديم الطعام لهم أو للجنود. كادت أن تعني أي من هذه الجرائم عقوبة الموت المؤكد.

التصريح العلني بالقوانين والضرائب: تم نشر والإعلان عن أوامر السلطان (الفرمانات) والضرائب في الأماكن العامة لمنع الاحتيال في الضرائب والقوانين التعسفية من جانب المسؤولين العامين. بهذه الطريقة تم نشر معلومات الحكومة المركزية إلى الشعب بشكل مباشر على الدوام.

إمكانية الوصول: لعل أهم جوانب الحكومة المركزية العثمانية هو إمكانية وصول الجميع إلى السلطة المركزية.
حيث كان أعلى درجات السلطة متاحة أمام كل مواطن من الإمبراطورية باستثناء منصب السلطان. كان بإمكان أي عضو في المجتمع العثماني التقدم بشكوى ضد المسؤولين الحكوميين أمام المجلس الإمبراطوري؛ كانت تدعى تلك المعروضات الرسمية "محضر" ولطالما تم التعامل معها بأقصى قدر من الجدية. في حال حكم المجلس الإمبراطوري على المسؤولين، كانوا غالبا ما يخضعون إلى قواعد السلطة السياسية.

الرأي العام: كان الاعتقاد الخاطئ الأكثر شيوعا حول الحكام المسلمين بشكل عام والحكام العثمانيين بشكل خاص، هو أنهم كانوا منفصلين عن الواقع ومنعزلين وغير مبالين بأمور شعبهم. في حين يمكن أن يكون ذلك صحيحا من الناحية المادية، لكنه لم يكن صحيحا من الناحية الفكرية. في الواقع، اُعتبر الرأي العام في الدولة العثمانية الأساس الحقيقي الوحيد الذي استندت سلطة الدولة. قيل إنه لو توقف الشعب عن دعم حكامه فإنهم سرعان ما سيتنحون . وهكذا فقد واظبت الحكومة السلطانية على استقطاب الرأي العام، لأنه كان من المعروف قيام أعداء السلطان باستقطاب الرأي العام السلبي أيضا. لم تفعل الحكومة ذلك من خلال الترويج الدعائي وحسب بل من خلال السياسية أيضا. إضافة إلى مقاضاة المسؤولين الفاسدين والضرائب والقوانين المعلن عنها أمام العامة، قامت الحكومة العثمانية باستقطاب الرأي العام من خلال حروب فتوحاتها أيضا.

لم يُسمح للجنود بإساءة معاملة الفلاحين ولا بأخذ أي شيء منهم دون إذنهم أو دون تعويض. تم بدأب التخطيط مسبقا لجميع حروب الفتوحات العثمانية في القرن السادس عشر. قامت الحكومة بوضع مخازن الإمدادات على طول طريق الحملات بحيث يمكن للجيش تأمين الطعام دون أخذ أي شيء من عامة الشعب. آمن الفاتحون العثمانيون بأنه لن يصمد أي فتح يخالف إرادة الشعب في المناطق التي يتم فتحها. وهكذا فقد كانت الحملات العسكرية عادلة ومتساهلة بشكل ملحوظ مع الشعب العادي.

كما اهتم العثمانيون بنموذج مبكر من نماذج استطلاعات الرأي العام، ولعلها كانت أول حكومة ترصد بفعالية الرأي العام من خلال وسائل قابلة للقياس الكمي. كان "استطلاع الرأي" الذي استخدموه هو صلاة يوم الجمعة. يعتبر الدعاء بالخير وطول العمر للحاكم أحد جوانب صلاة الجمعة في معظم الدول الإسلامية. يعتبر هذا جزء اختياريا من صلاة الجمعة، لكنها عنت ضمنيا أن أعضاء المسجد يفكرون بخير الحاكم. كثيرا ما كان إغفالها يعني عكس ذلك. أولى العثمانيون صلاة الجمعة أهمية بالغة في جميع أنحاء الإمبراطورية وذلك لقياس مشاعر العامة بدقة.


هيكلية الحكومة:
بشكل رسمي، كان السلطان هو الحكومة، تمتع بالسلطة المطلقة، نظريا على الأقل، فقد شارك شخصيا في كل قرار حكومي. كان كل ما يمثل حكومة الدولة صادر عن السلطان شخصيا في التجربة العثمانية للحكومة.

كما تولى السلطان لقب خليفة الإسلام أو القائد الزمني الأعلى للإسلام. طالب العثمانيون بهذا اللقب لعدة أسباب: كان أهم موقعين مقدسين، مكة المكرمة والمدينة المنورة، جزءا من الإمبراطورية، وكان الهدف الأساسي للحكومة توفير الأمان للمسلمين في جميع أنحاء العالم، لاسيما تأمين الحج الإسلامي إلى مكة المكرمة. بوصفه خليفة، كان السلطان مسؤولا عن العقيدة الإسلامية. تقريبا تم القيام بجميع الفتوحات العسكرية واحتلال البلدان الأخرى لأحد السببين التاليين: لضمان مرور المسلمين الآمن إلى مكة (مبرر غزو المناطق غير المسلمة) واقتلاع جذور الممارسات والمعتقدات الإسلامية المبتدعة (المبرر لغزو أو ضم مناطق مسلمة).

ببساطة لا يستطيع المؤرخون الاتفاق على كيفية انتقال السلطنة من جيل إلى جيل بين العثمانيين.في بداية عهد الإمبراطورية، كانت السلطنة تنتقل بوضوح من الأب إلى الابن البكر؛ بموت أحمد الأول (1603-1617) في 1603، انتقلت السلطنة إلى شقيق السلطان. ومع ذلك لم يظهر نظام توريث للابن الأكبر عند العثمانيين (انتقال العرش إلى الابن الأكبر) أو بحسب العمر (انتقال العرش إلى الأخ الذي يكبره عمرا). كان توريث العرش أمرا عشوائيا في كل من النظامين الملكيين المغولي التركي. اعتقد كل من الشعبين التركي والمغولي بأن العرش سينتقل إلى الوريث الأجدر. كان كل فرد من خط الوراثة من الأخوة والأبناء مستحقا للعرش على قدم المساواة. كان ذلك يعني أن تتحول الخلافة في أغلب الحالات إلى صراعات كبيرة بين الأطراف المتنازعة. يبدو أن العثمانيين قد عملوا بنظام مماثل. كان من المعتقد أنه عندما يتوفى السلطان ينتقل العرش إلى الخليفة الأجدر (الابن الأكبر في الغالب). اضطر سليم الأول للقتال من أجل السلطنة، لكن سليمان كان الابن الوحيد لسليم وبالتالي ورث العرش دون صراع. ما إن تولي سليم الأول العرش تم إعدام جميع إخوته إضافة إلى أبنائهم .

في القرن السابع عشر، بدأ السلاطين العثمانيين بتعديل هذه الممارسة وقاموا ببساطة بسجن إخوتهم - هذا ما سمح لشقيق أحمد الأول بأن يخلفه. يشير المؤرخون الغربيون إلى هذه الممارسة على أنها أحد أسباب المحورية لفشل الحكومة السلطانية. بسبب انتقال العرش إلى أشخاص قضوا الكثير من حياتهم، إن لم يكن معظم حياتهم، في السجن، شهدت الدولة العثمانية خلافة سلاطين مجانين مع زيادة في قوة الدواوينية الفاسدة بالمقابل.

كان المؤهل الأساسي للسلطنة هو جدارة الشخص لشغل المنصب. اعتقد العثمانيون أنه من شأن الخلافة البسيطة إثبات استحقاق السلطان للعرش، ولكن يمكن للسلطان أن يكبر بالعمر أو أن يفسد وبالتالي فإنه يفقد جدارته للعمل كسلطان. وصل سليم الأول إلى العرش من خلال الإطاحة بأبيه بيازيد الثاني (1481-1512)، الذي كان طاعنا بالسن لدرجة لا يقوى فيها على قيادة الجيش في مواجهة التهديدات الخارجية. عندا أصبح سليمان عجوزا، تآمر ولديه بيازيد و ابنه المفضل مصطفى للإطاحة به. وفي مواجهة هذه الخيانة، اضطر سليمان العجوز لإعدام كليهما يبدو أن هذا كسر قلبه تماما.

سار العثمانيون على النهج القديم للأتراك والمغول والذي يعتبر أن أراضي السلطان عبارة عن ملكية مشتركة لعائلة السلطان. وبالتالي عندما يأتي أي سلطان إلى العرش، تتوزع أراضي العثمانيين على أعضاء الأسرة الحاكمة. اعتبرت الأراضي المفتوحة ملكا خاصا للسلطان.

على الرغم من اعتبار السلطان مسؤولا شخصيا عن كل قرار حكومي، كانت الدواوينية الكبيرة تدير الحكومة على أرض الواقع. تم ضبط هذه الدواوينية بمجموعة صارمة ومعقدة من القواعد، وكان السلطان نفسه مقيدا بهذه القواعد. كان الديوان موجود على أعلى هرم هذه الدواوينية، والذي كان بمثابة مجلس وزراء السلطان لاتخاذ القوانين. كان الوزير الأعظم أكثر الأفراد سلطة في حكومة السلطان (مثل رئيس الوزراء في أيامنا هذه) والذي أشرف إلى حد كبير على جميع الوظائف التنفيذية للحكومة. لم يكن التعيين في هذه المناصب عبثيا وإنما خضع لقواعد صارمة.